متى خرج الامام عبدالرحمن بن فيصل من الرياض. عبد الرحمن بن فيصل بن تركي آخر حكام الدولة السعودية الثانية التي قامت بين الأعوام 1889-1891م. وينتهي نسب عبد الرحمن بن فيصل الي بكر بن وائل من بني أسد بن ربيعة، وهو أحد أبناء الإمام فيصل بن تركي آل سعود ووالد الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة. كيف عاش وكيف خسر السلطة ومتى خرج الامام عبدالرحمن بن فيصل من الرياض وكيف عاد إليها سنعرفه في مقالنا هذا.

الدولة السعودية بين الماضي والحاضر

لم يكن الطريق لبناء الدولة السعودية الحديثة سهلاً، ولا محفوفاً بالورود بل كان شائكاً مليئاً بالمعارك والحروب. خاض آل سعود معارك عدة وأقاموا دولة أولي ثم دولة ثانية حتي وصلوا إلي بناء الدولة السعودية الحديثة وبسط السيطرة على كامل التراب السعودي. لم يكن انهيار الدولة السعودية الأولى والثانية التي بناها آل سعود إلا نتيجة الأطماع الاستعمارية العثمانية. وتحالفات داخلية مبنية علي أساس قبلي وأطماع شخصية. وقد شهدت الجزيرة العربية أحداثاً كبري ومرت بمنعطفات خطيرة حتي استقرت فيها الأوضاع علي يد مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز بن آل سعود. وقد شهدت الجزيرة العربية إقامة وانهيار دولتين أسسهما آل سعود قبل بناء الدولة الحديثة.

الدولة السعودية الأولى

كانت الجزيرة العربية غارقة في الفوضى والاقتتال بين القبائل وبين القري والبلدات. ورافق تلك الفترة من الاقتتال والفوضى سيطرة الجهل والبدع وما نتج عنهما من مفاهيم دينية خاطئة تكاد تكون مفاهيم شركية. في وسط تلك الفوضى الدينية والاجتماعية ظهرت الدعوة السلفية بقيادة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب التي احتاجت الي قوة تدعمها وتناصرها. فكان الإمام محمد بن سعود أول من استجاب لتلك الدعوة. وناصرها ودعمها وأسس بذلك لبناء الدولة السعودية الأولى، وكانت البداية من “الدرعية”.

كان اتفاق ” الدرعية” في العام 1774م بداية التحول إلي مرحلة جديدة في الجزيرة العربية وإنشاء أول دولة سعودية. وكانت “الدرعية” عاصمة الدولة السعودية الأولى. ومصدر قوتها ونقطة الانطلاق نحو تأسيس دولة مركزية لنشر الدعوة. وإنهاء حالة الفوضى والاقتتال وتحطيم البدع والشركية في الجزيرة العربية. نجحت الدولة السعودية في دعوتها الإصلاحية، وتوسعة حدودها والقضاء علي الفلتان مما جعلها عرضة لعديد الحملات العسكرية من الجيش المصري المدعوم من الدولة العثمانية. انتهت تلك الحملات بسقوط ” الدرعية” عاصمة الدولة السعودية في العام 1818، ونهاية الدولة السعودية الأولي.

الدولة السعودية الثانية

بعد سقوط الدولة السعودية الأولى عادت نجد لعهد الفوضى والاقتتال. واستمرت الفوضى لخمس سنوات قبل أن ينجح الإمام تركي بن عبدالله أن يعيد تأسيس الدولة السعودية للمرة الثانية. ونقل مقر الدولة من ” الدرعية” إلي الرياض. بعد وفاة الإمام تركي بن فيصل العام 1865م، تولي ابنه عبد الله بن فيصل الحكم. ذلك الأمر لم يعجب أخيه سعود بن فيصل وبدأ بمحاربة أخيه الإمام عبد الله. وقامت بينهما حروب ونزاعات أدت إلي ظهور فتن داخلية وإضعاف الدولة السعودية الثانية.

خاض الأخوين حروب عدة ضد بعضهما. وكانت المعركة الفاصلة هي معركة ” ماء جودة” التي انتصرت فيها قوات الإمام سعود بن فيصل علي قوات عبدالله بن فيصل في العام 1870م. بعد أن انتصر الإمام سعود بن فيصل في المعركة، استولي علي الأحساء. ثم استولي علي الرياض وخلع أخيه عبدالله فيصل في العام 1871م.

الدولة العثمانية والدولة السعودية

بعد أن هُزم الإمام عبدالله بن فيصل وخلعه أخوه الإمام سعود هرب الي الأحساء و لجأ الي العثمانيين. انتهزت الدولة العثمانية انشغال الأخوين سعود وعبدالله بن فيصل في الاقتتال وشنت حملة عسكرية في العام 1871بقيادة مدحت باشا واحتلت الأحساء. وأطلقت عليها اسم ” ولاية نجد”. ونكثوا عهدهم مع الإمام عبدالله بتعيينه في منصب قائم مقام ولاية نجد. تلك الحملة العسكرية العثمانية واحتلال الأحساء أدت إلي انسلاخ المنطقة الشرقية عن الدولة المركزية في الرياض. وبذلك زاد ضعف الدولة السعودية الثانية.

الإمام عبد الرحمن بن فيصل المفاوض والمقاتل

بعد أن تولي الإمام سعود بن فيصل الحكم، أرسل أخاه الإمام عبد الرحمن بن فيصل إلي بغداد للتفاوض مع العثمانيين علي التخلي عن الأحساء. أقام الإمام عبد الرحمن بن فيصل عامان في بغداد يفاوض العثمانيين. لكن كل مفاوضاته باءت بالفشل. فعاد إلى نجد وهاجم الأحساء علي رأس قوة من قبيلة عجمان، وفرض سيطرته علي معظم المدينة ودك كل حصون العثمانيين فيها ما عدا حصن واحد لم يستطع اختراقه وهو حصن ” الكوت”. صمد حصن الكوت في وجه الإمام عبد الرحمن بن فيصل. أدي ذلك الصمود إلي فشل إحكام السيطرة الكاملة علي الأحساء فعاد الإمام عبد الرحمن بن فيصل إلي الرياض.

مبايعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

بعد وفاة الإمام سعود بن فيصل في العام 1875م. تمت مبايعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل خليفة له في نفس العام. واستمر في الحكم مدة سنتين قبل أن يعود أخوه الأكبر الإمام عبد الله بن فيصل إلي الرياض. ويتنازل له عن الإمامة في العام 1876م. ذلك الأمر لم يعجب أبناء الإمام سعود بن فيصل فهاجموا الرياض واعتقلوا عمهم الإمام عبد الله بن فيصل وسجنوه. تلك الفوضى مهدت الطريق أمام أمير حائل محمد بن الرشيد للتدخل في شؤون الحكم وهاجم الرياض واستولي عليها.

بعد الاستيلاء علي الرياض أخرج محمد بن الرشيد الإمام عبد الله والإمام عبد الرحمن بن فيصل من السجن، ونقلهما معه الي حائل. وعين سالم بن السبهان والياً على الرياض. اشتد المرض علي الإمام عبدالله بن فيصل فأذن له محمد بن الرشيد بالعودة الي الرياض بصحبة أخيه الإمام عبد الرحمن بن فيصل. و ما إن وصلا إلي الرياض حتي توفي الإمام عبد الله بن فيصل فبايع الناس الإمام عبد الرحمن بن فيصل للإمامة.

رحيل الإمام عبد الرحمن بن فيصل عن الرياض

بعد مبايعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل عاد محمد بن الرشيد لمهاجمة الرياض بسبب اعتقال سالم السبهان الذي عينه والياً على الرياض. حاصر محمد بن الرشيد الرياض لأكثر من شهر دون أن يستطيع دخولها. وانتهي الحصار بإطلاق سراح سالم السبهان مقابل أن تكون الإمامة للإمام عبد الرحمن بن فيصل علي الرياض وتوابعها.

بعد عقد ذلك الاتفاق غدر محمد بن الرشيد بأهل القصيم. ونكث عهوده ووعوده وهاجم القصيم وهزم أهلها شر هزيمة وأوغل فيهم قتلاً، أدرك الإمام عبد الرحمن بن فيصل أن محمد بن الرشيد سوف يهاجم الرياض مرة أخرى فقرر الرحيل عن الرياض.

رحل الإمام عبد الرحمن بن فيصل عن الرياض في العام 1890الي صحراء الدهناء. وتنقل بين بادية” آل مرة” وبادية ” العجمان” في تلك الفترة حاول مندوب الدولة العثمانية في الأحساء إقناع الإمام عبد الرحمن بن فيصل بعقد اتفاق يعترف فيه الإمام بسيادة الدولة العثمانية، مقابل توليه ولاية الرياض و دفع خراج سنوي مقداره الف ريال. لكن الإمام رفض ذلك لأنه كان يخطط للعودة إلي الرياض واستعادة الحكم.

محاولات استعادة الحكم

أرسل الإمام عبد الرحمن بن فيصل النساء من عائلته للإقامة في البحرين، بعد أن حصل ابنه عبد العزيز علي الإذن بذلك من الشيخ عيسي بن علي آل خليفة أمير البحرين، بعد ذلك بدأ الإمام بتجهيز جيشه للعودة إلي الرياض واستعادة الحكم فيها.

سار الإمام بالجيش ودخلها دون قتال، حينها كان أخيه محمد بن فيصل هو والي الرياض بقرار من محمد بن الرشيد. لما وصل الخبر الي محمد بن الرشيد سار بجيشه نحو الرياض وتقابل الجيشان في منطقة تسمي ” حريملاء”. ودارت بينهما معركة عنيفة انتهت بهزيمة الإمام عبد الرحمن بن فيصل. عاد الإمام مع ابنه عبد العزيز بعد تلك الهزيمة الي البادية مرة أخرى.

المنفي الطوعي للإمام عبد الرحمن بن فيصل

بعد عودة الإمام عبد الرحمن بن فيصل الي البادية التي مكث فيها حوالي سبعة أشهر. حاول ايجاد مأوي له في الخارج، طلب من أمير الكويت الإذن للإقامة عنده فرفض أمير الكويت طلبه، بعد ذلك أرسل إلي أمير قطر يطلب الإذن للإقامة عنده فوافق أمير قطر الشيخ قاسم بن ثاني علي طلبه.أقام الإمام عبد الرحمن بن فيصل في قطر أربعة أشهر وخلال تلك الفترة حصل علي الإذن للإقامة في الكويت فسبقته عائلته هناك ثم لحق بهم الإمام.

كانت الكويت محطة مهمة جداً، وأراد الإمام عبد الرحمن بن فيصل من خلال الإقامة فيها متابعة الأحوال في نجد عن طريق العلماء والتجار الذين يزورون الكويت باستمرار، منتظراً فرصة سانحة للعودة إلي الرياض وإعادة بناء الدولة السعودية، شارك الإمام عبد الرحمن بن فيصل الشيخ مبارك الصباح حروبه ضد آل الرشيد.

عبد العزيز وتطلعات استعادة الحكم

منذ أن وصل الإمام عبد الرحمن بن فيصل الكويت اهتم بتعليم ابنه عبد العزيز العلوم الشرعية ومبادئ الحساب. وكان عبد العزيز أكثر أبناء الإمام طموحاً وشغفاً باستعادة الدولة السعودية. وأولي محاولاته باستعادة الحكم كانت محاولة التسلل التي نفذها مع مجموعة من أقربائه أثناء انشغال آل الرشيد في معركة “التصريف”، لكن تلك المحاولة باءت بالفشل فعاد عبد العزيز إلي الكويت مرة أخرى.

العودة وبناء الدولة

كان الملك عبد العزيز كثير التفكير في الرياض والعودة إليها. وكان يقضي الساعات في التفكير ووضع أفضل الخطط لتحقيق حلمه. وفي خطوة جريئة جهز جيشاً وهاجم الرياض واستردها من آل الرشيد في 15/1/1902م. بعد أن قتل والي الرياض عجلان أمير آل الرشيد واستسلم باقي الجند بعد الانتصار واستعادة الرياض بايعه أهل الرياض ملكاً عليهم. وأصبح المؤسس الأول والحقيقي للدولة السعودية الحديثة.

عاد الإمام عبد الرحمن بن فيصل إلي الرياض بعد استعادتها. وسلم ابنه الملك عبد العزيز مقاليد الحكم بعد أن تنازل له عن الحكم والإمامة في العام 1902 بحضور جمهور غفير في المسجد الكبير في الرياض بعد صلاة الجمعة .

وفاة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

توفي الإمام عبد الرحمن بن فيصل بعد عامين من عودته الي الرياض. عرف عنه الزهد في الدنيا والابتعاد عن مظاهر الترف. وكان يلتزم بما يقطعه من عهود حتي مع أعدائه. لم يذكر أنه تسبب يوماً في إثارة الفتن. وكان علي قدر كبير من الفطنة والذكاء والعلم. وتوفي الإمام عبد الرحمن بن فيصل بعد أن شهد اتساع ملك ابنه وبناء الدولة الحديثة التي بناها الملك عبد العزيز بن سعود. وقاتل من أجل الوصول إلى ذلك الهدف والده الإمام عبد الرحمن بن فيصل.

تعرفنا في مقالنا هذا عن حقبة من تاريخ المملكة العربية السعودية. والتي تحدثنا فيها عن دور الإمام عبد الرحمن بن فيصل، وتعرفنا على حياته. ومتى خرج الامام عبدالرحمن بن فيصل من الرياض ومتى عاد إليها وعن تاريخ نشأة المملكة العربية السعودية وصولاً إلى وفاة الإمام عبد الرحمن بن فيصل.